أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

39

التوحيد

الحقيقة ، ثم لم يدل على أن الخلق هو في الحقيقة فعله ليسلّم له . على أنّا قد بيّنا من حق التسمية به ما يبيّن إحالة ذلك . فإن قيل : إذ وصف اللّه بالتكوين في الأزل لم لا كان المكوّن ؟ قيل : لمّا كوّن ليكون الأشياء على ما تكون ، وذلك نحو القول بالقدرة على الأشياء والإرادة لها والعلم بها ليكون كل شيء في وقته ، والحدث على الذي يكون لا على العلم به ، وإن كان الذي يكون - من بعد - في حدّ الكائن من غير تغيّر العلم به والقدرة عليه . والأصل أن اللّه تعالى إذا أطلق الوصف له ، وصف بما يوصف من الفعل والعلم ونحوه ، يلزم الوصف به في الأزل . وإذا ذكر معه الذي هو تحت وصفه به من المعلوم والمقدور عليه والمراد والمكوّن يذكر فيه أوقات تلك الأشياء لئلا يتوهّم قدم تلك الأشياء ، ولا قوة إلّا باللّه . دليل الأول ما سبق له الوصف ، ودليل الثاني أنه إذا لم يذكر وقت المفعول به يومئ قدم المفعول أو الجهل به في غير وقته ، وكذلك العجز ؛ لأنه إذا قيل : هو مكوّن للسّاعة يومئ أنه كوّن ليكون في هذه السّاعة ، وكذلك العلم به والقدرة عليه والإرادة ، ولا قوة إلّا باللّه . ولفعل القيامة والفناء معنى آخر ، إن السائل عنها إن أراد أنه يفعل الساعة ، لا يخلو من أن يريد جعل هذه الساعة وقتا للقيامة أو لتكوين اللّه القيامة ، فالأول محال ؛ لما ليست كذلك ، والثاني فاسد لما فيه جعل الوقت للتكوين ، وذلك أمارة الحدث . فإن قيل : في التكوين ولا مكوّن إثبات العجز . قيل : إنما يكون ذلك لو كان التكوين ليكون لوقت فلم يكن ، وكذلك في الإرادة والعلم به إذا لم يكن جهل واضطرار ، فأما ليكون للوقت الذي يكون فيه فلا ، على ما بيّنا من العلم ، وعلى ذلك السمع والبصر والكرم والجود ، إنه موصوف بها في الأزل وإن كان ما يسمع ويبصر وما ذكر حادث ، وعلى ذلك جرى الحدوث ، ولا بد من ذكر الوقت للمسموع عند ذكر الأمرين ، فمثله الأول ، ولا قوة إلّا باللّه . والأصل أن الذي لا يعدو الواقع بفعله وقت الوصف له بالفعل وصف عجز ، والذي يعدوه ويقع عنده وصف قدرة ، كمن يكون منه فعل الشيء وضده المتمكن منه أنه أتم من جهة فعله . وكذلك من لا يعدو فعله حيّزه هو دون من يقع فعله في كل حيز ، كذلك وصف اللّه بالذي ذكرت ؛ إذ هو وصف التمام . مع ما لا يقع فعل العبد لغير وقته لأنه عن شغله بالفعل يكون وبالآلات ، واللّه سبحانه بنفسه يفعل ، وذلك كما علم سبحانه بذاته وقدر بذاته ، وكل من سواه بغير الذي ذكرت لولا ذلك ما قام به فعل ، واللّه هو ينشئ من لا شيء ؛ لذلك بطل التقدير بالذي قالوا . وعلى مثل ما ذكرت أمر القدرة والإرادة وجميع ما بيّنا .